- الموافق
- كٌن أول من يعلق!
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة رمضان وبناء الأمة من جديد
الحلقة الثلاثون
بعد انقضاء رمضان... هل نبقي الرسالة في القلوب أم نقيمها في واقع الحكم؟
وينقضي رمضان، لكن الرسالة التي حملها لا يجوز أن تنقضي بانقضائه. فهو لم يكن موسماً روحانياً معزولاً عن الحياة، بل محطة سنوية تعيد وصل الأمة بالقرآن الذي نزل ليحكم، لا ليُتلى فحسب. إن أعظم ما يهدد المسلمين بعد رمضان أن يستمروا باختزال الإسلام في دائرة الشعائر، في حين إنه جاء ليقيم نظاماً شاملاً ينظم شؤون الفرد والمجتمع والدولة.
كثير من الناس يظنون أن الإسلام يقتصر على الصلاة والصيام والحج، ويغفلون أنه عقيدة ينبثق عنها نظام حكم، ونظام اقتصادي، ونظام اجتماعي، وسياسة خارجية. فالقرآن الذي نزل في ليلة القدر لم ينزل ليكون مصدر إلهام روحي فقط، بل ليكون أساس الدولة والتشريع، تُقاس عليه القوانين، وتُبنى عليه الدولة، وتُرعى به شؤون الناس. ومن هنا فإن الفصل بين الدين والحياة هو أخطر انحراف أصاب الأمة، لأنه عطّل الإسلام عن أداء دوره الحضاري والسياسي.
رمضان جاء ليذكّر الأمة بأن الواقع الذي تعيشه هو نتيجة أنظمة بشرية اختارت أن تجعل السيادة للناس لا للشرع. الفقر المتزايد، الأزمات الاقتصادية، الارتهان للمؤسسات المالية الربوية، التبعية السياسية للقوى الكبرى، كل ذلك ليس عرضاً عابراً، بل ثمرة طبيعية لغياب الحكم بما أنزل الله. فحين تُدار البلاد بدساتير وضعية، وتُربط الاقتصادات بالقروض والربا، لا يمكن انتظار عدل حقيقي أو كرامة مستقرة.
إلى أهل مصر وسائر بلاد المسلمين، الرسالة واضحة: أنتم لستم عاجزين، لكن المشكلة ليست في ضعف الأفراد، بل في غياب المشروع المبدئي الذي يوحد الجهود ويضبطها بطريقة شرعية. مصر، بما لها من ثقل تاريخي وبشري، ليست مجرد دولة ضمن النظام الدولي، بل جزء من أمة واحدة مزقتها الحدود المصطنعة. وما يحدث فيها يتردد صداه في سائر البلاد الإسلامية، لأن القضية ليست قطرية، بل قضية أمة تبحث عن كيان سياسي يوحدها تحت راية الإسلام.
التاريخ الإسلامي يعلّمنا أن النهوض لا يكون بردود الأفعال ولا بالانتفاضات غير المنضبطة، بل بعمل منظم يسير على طريقة الرسول ﷺ. في مكة، لم يكتفِ ﷺ بتزكية الأفراد أخلاقياً، بل أسس كتلة واعية على أساس العقيدة، تحمل مشروعاً واضحاً لإقامة الحكم بما أنزل الله. خاض صراعاً فكرياً مع مفاهيم الجاهلية، وكشف فساد قياداتها، وبنى رأياً عاماً على أساس الإسلام، وطلب النصرة من أهل القوة والمنعة حتى قامت الدولة في المدينة.
هذا المنهج هو الطريق الشرعي للتغيير؛ وعي سياسي على أساس العقيدة، وعمل حزبي مبدئي منظم، وصبر على الأذى دون مساومة. أما الاكتفاء بالإصلاح الجزئي داخل أنظمة تقوم على غير الإسلام، أو الانشغال بالأعمال الخيرية المنفصلة عن مشروع الحكم، فلا يحقق التمكين، بل يخفف آثار الأزمة دون اقتلاع جذورها.
رمضان علّمنا الانضباط اليومي؛ الصائم يمتنع عن المباح طاعةً لله، فيتدرب على تقديم أمر الله على شهوته. هذا المعنى ينبغي أن يمتد إلى تقديم حكم الله على القوانين الوضعية، ورفض أي تشريع يخالف الشريعة مهما بدا "عملياً" أو "ضرورياً". فإذا كان المسلم يصبر على الجوع والعطش شهراً كاملاً، أفلا يصبر على مشقة العمل لإقامة دولة تطبق الإسلام كاملاً؟
إن المسؤولية ليست فردية فقط، بل جماعية. الأمة مأمورة بإقامة الحكم بما أنزل الله، وهذا لا يتحقق إلا بوجود دولة الخلافة على منهاج النبوة، توحد بلاد المسلمين، وتجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة، وتحمل الدعوة إلى العالم. هذه ليست أمنية سياسية، بل فرض شرعي دلّت عليه النصوص، وأجمع عليه الصحابة حين بادروا إلى إقامة الخلافة بعد وفاة الرسول ﷺ قبل الانشغال بدفنه.
الحديث عن العدل ورعاية شؤون الناس، ومحاربة الفساد، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، يبقى ناقصاً ما لم يُربط بتغيير أساس النظام. فرعاية شؤون الناس في الإسلام ليست سياسة ظرفية، بل نتيجة طبيعية لتطبيق أحكام الملكيات، وتحريم الربا، وضبط الثروات العامة، ومحاسبة الحكام على أساس الشرع. وكل ذلك لا يمكن أن يتحقق في ظل أنظمة تستمد شرعيتها من غير الإسلام.
بعد رمضان، يبقى السؤال مفتوحاً هل نعود إلى الغفلة، فنفصل بين عباداتنا وواقعنا السياسي، أم نحمل الرسالة كاملة كما أنزلت؟ البكاء على حال الأمة لا يغيره، ولا يكفي أن نندب الماضي المجيد. فالمطلوب وعيٌ منظم، وعملٌ سياسي مبدئي، وصبرٌ طويل على الطريق حتى يتحقق وعد الله بالاستخلاف.
رمضان يرحل، لكن درسه الأعظم باقٍ أن الإسلام ليس شعوراً موسمياً، بل مشروع حياة. فمن أراد أن يحفظ أثر الشهر، فليجعل من وعيه السياسي امتداداً لعبادته، ومن التزامه بالصوم امتداداً لالتزامه بالعمل لإقامة حكم الله في الأرض. هناك فقط تتحول الرسالة من كلمات في القلوب إلى واقعٍ في الحياة، وتبدأ الأمة خطواتها الحقيقية نحو استعادة عزتها وسلطانها.
المكتب الإعلامي لحزب التحرير
في ولاية مصر



