الأربعاء، 07 شوال 1447هـ| 2026/03/25م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

سلسلة مواقف مضيئة في تاريخ الإسلام

الحلقة الحادية والثلاثون

صلاح الدين... كيف أعادت الخلافة القدس إلى حضن الأمة؟

 

حين يُذكر اسم صلاح الدين الأيوبي تتجه الأنظار إلى مشهد تحرير القدس سنة 583هـ بعد انتصار معركة حطين. غير أن اختزال الحدث في بطولة عسكرية يضيّع جوهر التجربة؛ فالقدس لم تعد بسيفٍ مجرد، بل عادت بمشروع سياسي أعاد توحيد الأمة تحت سلطان واحد، وأعاد الاعتبار لحكم الإسلام بوصفه أساس القوة والنهوض.

 

عندما بزغ نجم صلاح الدين، لم يكن الخطر الصليبي هو المشكلة الوحيدة، بل كان الواقع الداخلي أكثر تعقيداً. البلاد الإسلامية كانت موزعة بين قوى متنازعة، والولاءات السياسية متفرقة، وبعض الكيانات ارتبطت بتحالفات أضعفت جبهة المواجهة. في مثل هذا المناخ، لا يُنتظر نصر حاسم، لأن الأمة المنقسمة سياسياً لا تستطيع أن تخوض معركة مصيرية بروح واحدة وقرار واحد.

 

صلاح الدين أدرك أن تحرير القدس لا يبدأ من أسوارها، بل من القاهرة ودمشق وحلب. لذلك عمل على إنهاء الانقسام بين مصر والشام، وأعاد ربط البلاد بسلطان واحد يدين للخلافة ويستمد شرعيته من الإسلام. هذه الخطوة لم تكن مجرد توسيع نفوذ، بل إعادة بناء الجبهة الداخلية على أساس الوحدة السياسية، لأن تعدد الكيانات يعني تعدد القرارات، وتضارب المصالح، وتقديم الحسابات الضيقة على مصلحة الأمة.

 

لقد سبق حطين إعداد طويل؛ إعادة تنظيم الجيش، تقوية الموارد، تثبيت الأمن الداخلي، وضبط العلاقة بين الحاكم والرعية على أساس الإسلام. فالقوة العسكرية في الإسلام ليست عصا غليظة بيد حاكم، بل أداة دولة راعية، تحفظ الدين والنفس والمال، وتتحرك وفق رؤية شرعية. وحين تستقيم الجبهة الداخلية، يصبح التوجه إلى العدو خطوة طبيعية لا مغامرة غير محسوبة.

 

انتصار حطين لم يكن صدفة ولا انفعالاً عاطفياً. كان نتيجة خطة استراتيجية استهدفت عزل القوات الصليبية واستنزافها ثم ضربها في الوقت المناسب. وهنا يظهر الفارق بين مشروع مبدئي واضح، وبين ردود أفعال متفرقة. فالمشروع السياسي المنبثق عن العقيدة يمنح القيادة بوصلة ثابتة، فلا تتحرك وفق ضغط اللحظة، بل وفق هدف محدد: إعادة الأرض إلى سلطان الإسلام.

 

وعندما دخل صلاح الدين القدس، أَمّن السكان، وسمح بخروج من أراد مقابل فدية عادلة، وحافظ على المقدسات، وأعاد للمسجد الأقصى مكانته. هذا السلوك يعكس طبيعة الحكم في الإسلام؛ الفتح ليس إبادة، بل نقل للسيادة من نظام إلى نظام، ومن حكم قائم على الامتيازات والقهر إلى حكم يجعل العقيدة أساس الدولة والتشريع وأحكامها حاكماً للعلاقات.

 

الدرس العميق من صلاح الدين أن تحرير الأرض مرتبط بوحدة الأمة وجرأة القرار السياسي وارتباطه بالحكم الشرعي. فلو بقيت مصر والشام متنازعتين، لبقيت القدس تحت الاحتلال. ولو انشغل كل أمير بإمارته، لما وُجدت معركة فاصلة. إن وحدة السلطان شرط في معارك المصير؛ لأن تعدد المراكز يبدد القوة ويجعل كل جزء يواجه الخطر وحده.

 

واقع الأمة اليوم يكشف صورة معاكسة؛ تعدد الدول القطرية، اختلاف السياسات، وتباين التحالفات. إذا تعرض جزء من بلاد المسلمين لعدوان، بقي الأمر محصوراً في نطاقه الجغرافي، وكأن رابطة الأمة قد تراجعت أمام اعتبارات الحدود والسيادة الوطنية المزعومة. في مثل هذا الواقع، يصبح الحديث عن تحرير الأمة ومقدساتها حديثاً نظرياً، لأن القرار السياسي مجزأ.

 

إن استحضار صلاح الدين لا ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الحنين، بل لاستيعاب أن الأمة لا تنتصر بالعاطفة وحدها، بل بمشروع سياسي جامع، يقيم حكم الإسلام، ويوحد الطاقات، ويجعل من العقيدة أساساً للسياسة. فالعقيدة تمنح الدافع، والدولة تمنح القدرة على التنفيذ.

 

القدس عادت يوم توحدت الجبهة، وغاب التنازع، واستقام الحكم على أساس الإسلام. وما لم تستعد الأمة وحدتها السياسية على هذا الأساس، فستبقى جهودها متناثرة، مهما علت الأصوات أو كثرت المبادرات، ولن تعود القدس دار إسلام. إن ما فعله صلاح الدين يقول بوضوح إن النصر يبدأ من الداخل، من إقامة كيان جامع، تتوحد فيه الراية والقيادة والقرار.

 

وهكذا، فإن تحرير القدس في القرن السادس الهجري لم يكن معجزة عابرة، بل ثمرة مشروع أعاد للأمة وحدتها السياسية وربطها بحكم الإسلام. وحين تدرك الأمة اليوم أن طريق التحرير يمر عبر استعادة كيانها السياسي الجامع، فإنها تضع قدمها على بداية الطريق الصحيح، لا نحو استعادة مدينة فحسب، بل نحو استعادة دورها ومكانتها بين الأمم.

 

المكتب الإعلامي لحزب التحرير

في ولاية مصر

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع