الأحد، 11 شوال 1447هـ| 2026/03/29م
الساعة الان: (ت.م.م)
Menu
القائمة الرئيسية
القائمة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

الشرق الأوسط على مفترق طرق الطاقة

هل تعوض سوريا مضيق هرمز؟

 

توم براك وأحلام اليقظة

 

 

في خضم تسارع وتيرة الأحداث الساخنة وتشابكها وربما تقاطعها في مضيق هرمز، تبدو خريطة الشرق الأوسط وكأنها لوحة شطرنج ضخمة، كل دولة فيها قطعة لا يمكن تحريكها بمعزل عن الأخرى. على هذه اللوحة التي تشرئب لها الأعناق من الشرق والغرب، برزت تصريحات توم باراك لتفتح نافذة على ما يمكن أن يصبح مشروع القرن للطاقة إن لم يتبين أنه حلم أمريكي صعب المنال: سوريا التي لم تهدأ منذ سنوات، وصفها براك بأنها "أكبر فرصة جيوسياسية" وأنها "الدولة الأكثر استقراراً في الشرق الأوسط"، حيث يمكن أن تصبح محوراً لممر طاقة بديل، يحاكي وظائف مضيق هرمز ومضيق باب المندب، بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية. ليس ذلك فحسب، بل تطرق في جانب آخر من حديثه، إلى مشروع "البحار الأربعة" الذي كان من مخلفات نظام آل أسد (طُرح لأول مرة عام 2009 كخطة لتحويل المنطقة إلى مركز طاقة عالمي)، مؤكدا أنه سيصبح الآن حلقة الوصل بين الخليج، وبحر قزوين، والبحر المتوسط، والبحر الأسود. حيث قال: "ستصبح تركيا وسوريا المركزين الرئيسيين لتوزيع الطاقة للعالم أجمع".

 

جاء كلام براك هذا خلال مؤتمر حواري، أقامه المجلس الأطلسي الأمريكي (القريب من دوائر صنع القرار) ومجلس الأعمال الأمريكي السوري في العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الخميس 26 آذار 2026. وشاركت في المؤتمر شركات طاقة وبترول وتقنيات أمريكية والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي، وبحضور مبعوث سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، ومساعد نائب وزير خارجية أمريكا جاكوب ماكغي، ما يضفي على المؤتمر طابعا رسميا.

 

هكذا إذن يمني توم براك نفسه في ظل حكم أحمد الشرع، لكن الواقع السياسي أكثر صعوبة وتعقيداً من لحن كلام براك: سوريا بجغرافيتها الاستراتيجية، تبدو مفتاح الحل لدى بعض صناع القرار في أمريكا، لكنها في ظل النظام الحالي حلقة هشة محاطة بتحديات جسيمة تبدأ من اختبار القدرة على ضبط النفس ووقف إطلاق النار في الداخل، بما يضمن عدم تكرار سيناريو الاشتباكات في السويداء أو معارك حلب مع قوات قسد، وانتهاء بإيران، وأذرعها المنتشرة في العراق ولبنان وسوريا نفسها، حيث بات جليا أنها تمتلك القدرة على تعطيل أي مشروع بديل، وتحويل خطوط الطاقة من أداة للتنمية إلى ساحة صراع مفتوحة تعبث بأمنها الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

اللاعبون على رقعة شطرنج الشرق الأوسط:

 

أشار براك سابقاً إلى أن السياسيين اللبنانيين يلعبون "طاولة الزهر"، بينما يواجههم الرئيس الأمريكي بـ"الشطرنج". يبدو التصوير دقيقا لاختلاف الأساليب: النفوذ المحلي يعتمد على التفاوض والرهانات القصيرة المدى والتركيز على اللاعبين المحليين، على غرار حزب إيران في لبنان. بينما النهج الأمريكي يسعى لإعادة ترتيب القوى واستراتيجيات السيطرة على المدى الطويل، وهذا ما قد يفسر اختيار توقيت إعلان عملية الغضب الملحمي ضد إيران رأسا.

 

بهذا المنطق، أي محاولة لإنشاء ممر بري أو شبكة أنابيب تمر عبر دمشق ولبنان يفترض بها أن تأخذ في الحسبان هذه القدرة الإيرانية على الضغط المستمر، وأسلوب المناورة وتقاسم الأدوار إقليميا واللعب على الوقت والفرص، لتصبح أي خطة استراتيجية جزءاً من إدارة صراع متعدد الطبقات بين اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، وهو ما لم يحصل ابتداء عند إنضاج خطة التدخل العسكري ضد إيران، ولا عند حشد السفن الحربية والتلويح بفكرة الاستيلاء على جزيرة خرج وما سيترتب على ذلك من استهداف للمنشآت النفطية في المنطقة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة ترامب على لعب الشطرنج التي هي لعبة فارسية بالأساس. ذلك أن اختراق القيادات وتصفيتها لا يعني بالضرورة إنهاء نفوذ دولة أو ضمان الفوز في المعركة، كما أن خسارة الملكة لا تعني خسارة اللعبة رغم أنها أقوى قطعة من حيث السيطرة والحركة.

 

إضافة إلى ذلك، يقود براك مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية مع الجيش السوري بعد تثبيت اتفاقية وقف إطلاق النار، وهو مشروع معقد يتطلب سنوات من التنسيق العسكري والسياسي. أي خطأ في هذا الدمج يمكن أن يحول عناصر قسد إلى قوة ضغط، تضيف متغيراً آخر إلى صعوبة تأمين ممر الطاقة، وتطرح سؤالاً عن مدى قدرة واشنطن على فرض استراتيجيتها في المنطقة بسرعة، خصوصاً بعد تجربة كيان يهود مع حماس، التي بقيت صامدة رغم الضغط الكبير المدعوم أمريكيا وكل وعود نتنياهو بإنهاء وجود هذه الحركة المسلحة إيرانيا. هذا الدرس يضع في نصابه تصريح ترامب في 26/03/2026 حول إمكانية إنهاء النفوذ الإيراني خلال ستة أسابيع: إيران، بأذرعها وشبكاتها، ليست هدفاً يمكن القضاء عليه بسرعة، وأي محاولة ستكون مواجهة طويلة ومعقدة، خاصة بعد استهداف القائد الأعلى خامنئي.

 

ومع ذلك، وحتى في أفضل سيناريو انتصار وهمي تصنعه الإدارة الأمريكية، فإن أي مسار بري؛ تركيا أو غيرها لا يستطيع تعويض حجم النفط الهائل الذي يمر عبر مضيق هرمز (حوالي 20 بالمائة من النفط الخام المتداول عالمياً سنوياً، أي نحو 20 مليون برميل يومياً حسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبيك) و30 بالمائة من الغاز الطبيعي المسال)، ولا مرونة النقل البحري العالمي الأنسب تكلفة والأقل تعرضا لمخاطر الانقطاع الشامل.

 

من جهة أخرى، تمثل تركيا العقل اللوجستي للمشروع البديل المفترض. مشروع القناة الجافة ليس حلماً هندسياً فحسب، بل أداة استراتيجية لتحويل أنقرة إلى مركز توزيع للطاقة بين الشرق والغرب وممرا تجاريا يربط آسيا بأوروبا. نجاح هذا الدور مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار سوريا والعراق على حد سواء، وبقدرة تركيا على إدارة شبكة ممرات معقدة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية، قد تلعب على ورقة الأكراد. أيّ تعطل في دمشق أو تدخل مباشر من إيران يمكن أن يحول تركيا من مركز قوة إلى حلقة عرضة للصراع، ويضعف الجدوى الاقتصادية والسياسية للمشروع الجاذب للاستثمار، وهذا ما يجعلها أشد حذرا في تعاملها مع ما يحدث حولها في المنطقة، داعية إلى تكثيف جهود إحلال السلام.

 

في الجنوب، السعودية والعراق يشكلان العمود الفقري للممر البديل. السعودية تملك النفط وتمثل الركيزة الأساسية لأي خطة طوارئ عالمية نظرا لطاقة الإنتاج الضخمة وإمكانية التصدير دون المرور بهرمز، بينما العراق يمثل الطريق البري الحيوي، لكن النفوذ الإيراني لا ينتهي بكبسة زر، وهو ما يجعل أي خط أنابيب أرضي هدفاً محتملاً للتعطيل السياسي أو العسكري. وفي الجهة البحرية، الفجيرة بالإمارات، رغم أهميتها كبوابة تصدير، تواجه تهديدات إيرانية متنامية تجعل الاعتماد عليها محفوفاً بالمخاطر، ما يقلل من أمان أي ممر بحري يعتمد عليها بشكل رئيسي، هذا إن بقيت الإمارات على حالة الرفاه والانتعاش الاقتصادي في الفترة القادمة.

 

أما على المستوى الدولي، فالصورة تبدو أكثر تعقيداً. الصين التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم عبر مضيق هرمز، تبدو الأكثر عرضة للصدمات والابتزاز الأمريكي، لذلك فهي تركز على تطوير بدائل: خطوط أنابيب عبر باكستان، مخزونات استراتيجية، واستثمارات في شبكة نقل الطاقة عبر آسيا الوسطى. في حين لم تعد روسيا تعتمد على السوق الأوروبية التقليدية كما قبل حربها مع أوكرانيا، وبدل ذلك، فقد ركّزت على تصدير الغاز إلى آسيا (الصين والهند)، وبناء خطوط أنابيب جديدة مثل قوة سيبيريا (Power of Siberia) والخطوط الأخرى نحو تركيا والشرق الأوسط، لتصبح لاعباً مستقلاً قادراً على موازنة النفوذ الأمريكي والإيراني. في المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي الذي تعددت أزماته الطاقية والاقتصادية، لتقليل تعرضه للمضائق الاستراتيجية عبر التنويع: الغاز الطبيعي المسال، مصادر الطاقة المتجددة، التعاون مع فرنسا في مجال الطاقة النووية، واستثمارات في خطوط أنابيب بديلة من شمال أفريقيا والقوقاز، في مقدمتها خط الغاز النيجيري الذي يربط أفريقيا بأوروبا.

 

في هذا السياق، تعد الجزائر وتونس ركيزتين أساسيتين في استراتيجية الطاقة الأوروبية المستقبلية، حيث يتم تطوير مشروع ممر الهيدروجين الجنوبي (SoutH2 Corridor) لنقل الهيدروجين الأخضر من شمال أفريقيا إلى إيطاليا والنمسا وألمانيا. يهدف هذا المشروع الذي يمتد لقرابة 4000 كم إلى بدء الإنتاج والتصدير بحلول عام 2030، ونقل ما لا يقل عن 4 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنوياً، مستغلاً إمكانات الجزائر في الطاقة الشمسية.

 

وسط هذا المشهد المعقد، تحاول أمريكا أن تظهر كلاعب استراتيجي يحاول السيطرة على قواعد اللعبة دون الحاجة للتدخل المباشر على الأرض، ومع ذلك فإن وقوعها في مستنقع المواجهة المباشرة مع دولة إقليمية بحجم إيران قد أفقدها جزءا كبيرا من هيبتها العالمية في فترة وجيزة، فسارعت إلى طلب النجدة من حلفائها الأطلسيين ومن غيرهم دون نتيجة. وفي المحصلة، فإن إعادة توجيه خطوط الطاقة بعيداً عن هرمز (إن صدقت رؤية براك) يضعف نفوذ إيران بلا شك ويمنح أمريكا قدرة على إدارة تدفقات الطاقة العالمية، لكنه في الوقت نفسه يضيف لها عبئاً هائلاً من إدارة التوازنات المحلية والدولية وتحمّل الضغوط الداخلية والخارجية أثناء محاولة تفردها بقيادة النظام الدولي، ما يجعلها أشبه بوحش عملاق يترنح تحت وطأة جراحه وندوبه دون أن يتلقى الضربة القاضية.

 

أسبوعان حاسمان: اختبار ترامب للنفوذ الإيراني

 

مع بدء العدوان على إيران في 28/02/2026، أصبح الجدول الزمني ضاغطاً للغاية: لم يتبق سوى أسبوعين لملاحظة مدى قدرة ترامب على تحقيق أهدافه. كل خطوة، من دمج قسد في سوريا إلى إدارة النفوذ اللبناني الإيراني، وكل تحرك تركي أو سعودي أو إماراتي أو حتى مصري، سيكون تحت المجهر، في حين يتجاهل العالم كله ما يحصل في غزة. هذه الفترة القصيرة تكشف ما إذا كانت الرؤية الأمريكية لممر الطاقة البديل مجرد نظرية استراتيجية أم بداية تحول حقيقي في خريطة النفوذ الإقليمي.

 

في قلب هذه الأزمة الزمنية، يبدو الشرق الأوسط كلوحة حيّة للصراع تتجاذبها الأطراف المحلية والدولية: سوريا ومن ورائها تركيا هما مفتاح الحل السحري الأمريكي، ولكنهما تتأرجحان بين طموح الطاقة وإرادة إيران التي لم تستعمل بعد كل أوراقها، حيث لا يزال الحوثيون على سبيل المثال خارج اللعبة. لبنان يلعب على أكثر من طاولة، والفجيرة تحت التهديد، والسعودية لا تقدر بمفردها على حرب وقتال، وكذلك كل دول الخليج التي تؤمن مصالح أمريكا وقواعدها العسكرية المستهدفة. بينما الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي يسارعون لتأمين بدائلهم بعيداً عن صدمات مضيق هرمز ويرفضون تقاسم الهزيمة مع أمريكا أو تحمل تبعات حرب لم يوقدوا نارها. كل لاعب يحرك قطعة بحذر، والنتيجة النهائية ستحدد مستقبل  الطاقة والنفوذ في المنطقة لعقود قادمة، بينما تستعد الدول الضعيفة التي تتضاعف ديونها للاصطفاف مع الفائز في البورصة السياسية الشرق أوسطية، لأن التبعية صارت هواية لدى حكامها، مصداقا لمقولة ابن خلدون في مقدمته: "المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب".

 

ومع ذلك، يلوح في الأفق احتمال ظهور لاعب دولي جديد قادر على قلب موازين القوة في المنطقة وتغيير كل قواعد اللعب، كما ألمح بعض المحللين الأمريكيين أنفسهم، على غرار جون شيا في رسالته إلى أوباما، ما يمكن الأمة الإسلامية من استثمار الفراغ الأمني والسياسي، وملء الفراغ الاستراتيجي بإعلان ميلاد الخلافة الراشدة التي تعقب هذا المخاض العسير، فتؤكد للعالم أجمع أن أمريكا ليست سوى نمرٍ من ورق كما يقول المثل الصيني.

 

في نهاية المطاف، مشروع براك ليس مجرد خطة طاقة، ولا محاولة لاستبدال ممر بحري بآخر بري، بل اختبار شامل لقدرة أمريكا على تحويل رؤيتها الاستراتيجية المزعومة إلى واقع ملموس، وسط شبكة معقدة من النفوذ المحلي والدولي، والأحداث العاجلة التي قد تقلب الموازين في أي لحظة، فيستفيق براك على أضغاث أحلام قبل أن يُطرد من بلاد الشام.

 

فهل تُحسم معركة الطاقة من مضيق هرمز وجزيرة خرج، حيث السيطرة المباشرة كما لمح ترامب، أم من البرّ السوري عبر ممرات بديلة يروّج لها توم براك؟ أم أن الحقيقة تكمن في مكانٍ بينهما، حيث يُستخدم أحد المسارين كظلٍّ استراتيجي يُخفي الآخر؟

 

في جميع الحالات فإن أمريكا التي تآمرت على سوريا وحاربت ثورتها، وسخر وزير حربها ما أسماه أوهام النبوءات الإسلامية، صارت ترى فيها حلا لمشاكلها وبديلا لاستدامة نفوذها ومرتكزا لحملتها الصليبية ضد أمة القرآن، ونحن نرى فيها إمكانية تحقق نبوءات الوحي وصناعة مجد هذه الأمة بإذن الواحد الديّان.

 

خلال الأسبوعين المقبلين، ستتضح قوة الاستراتيجية الأمريكية أمام إيران، وقدرة اللاعبين الإقليميين والدوليين على تعديل مسار اللعبة على لوحة الشطرنج الكبرى في الشرق الأوسط، كجولة في مسار الصراع الحضاري الشامل بين الرأسمالية الصليبية ومبدأ الإسلام العظيم، بينما يظل احتمال صعود لاعب مفاجئ عاملاً لا يمكن تجاهله، بل هذا ما نراه بالفعل ثقة بوعد الله وأملا في تحقق بشارة رسوله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ولقوله ﷺ: «أَلَا إِنَّ عُقْرَ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ».

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش

 

 

تعليقات الزوَّار

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

عد إلى الأعلى

البلاد الإسلامية

البلاد العربية

البلاد الغربية

روابط أخرى

من أقسام الموقع